الخميس، ديسمبر ٠٤، ٢٠٠٨

أمنياتنا ترسم مستقبلنا

جلس عمر بن الخطاب- رضي الله عنه- مع بعض أصحابه في مجلسٍ من مجالس الأحلام والآمال السامية، فقال لهم: "تمنَّوا"، فقال أحدهم: أتمنَّى أن يكون عندي ملء هذا الوادي ذهبًا فأنفقه في سبيل الله، وقال الآخر: أتمنَّى أن يكون عندي ملء هذا الوادي خيلاً أتصدَّق بها في سبيل الله، فقال عمر- رضي الله عنه-: أتمنَّى أن يكون عندي ملء هذه الغرفة رجالاً كأبي عبيدة بن الجراح، وسالم مولى أبي حذيفة.

يقول الدكتور يوسف القرضاوي معلِّقًا على هذه الرواية: "رحم الله عمر المُلهَم؛ لقد كان خبيرًا بما تقوم به الحضارات الحقة، وتنهض به الرسالات الكبيرة، وتحيا به الأمم الهامدة".

إنَّ مَن يود المساهمة في حركة التأثير لا بد أن يخلوَ بنفسه وأن يتخيَّل له مستقبلاً باهرًا، وأن يتمنَّى أمنيات غير تقليدية، وأن يحلم في واقع أفضل؛ ذلك أن حقائق اليوم أحلام الأمس، وأحلام اليوم حقائق الغد.

لقد أوضح النبي- صلى الله عليه وسلم- أهمية الأمنيات وأثرها البالغ؛ فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: "إذا تمنَّى أحدكم فلينظر ما يتمنَّى؛ فإنه لا يدري ما يكتب له" (رواه أحمد).

وقد تحدَّى الله- تعالى- اليهود بالأمنيات فقال: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ هَادُوا إِنْ زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِيَاءُ للهِ مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوْا الْمَوْتَ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ (6) وَلا يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (7) (الجمعة).

ومن خطورة الأمنية أنها سلاحٌ من أسلحة الشيطان؛ حيث يقول تعالى ذاكرًا مقولة الشيطان: ﴿وَلأضِلَّنَّهُمْ وَلأمَنِّيَنَّهُمْ وَلآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الأَنْعَامِ وَلآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللهِ وَمَنْ يَتَّخِذْ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ اللهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُبِينًا (119) يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمْ الشَّيْطَانُ إِلاَّ غُرُورًا﴾ (النساء).

كما أن الأمنية تقوم مقام النية؛ لما رواه الإمام الترمذي في الحديث الحسن الصحيح عن أبي كبشة "عُمر بن سعد الأنماري"، أنه سمعَ رسول الله- صلى الله عليه وسلم- يقول: "ثلاثةٌ أُقسم عليهن وأُحدِّثكم حديثًا فاحفظوه: ما نقص مال عبدٍ من صدقة، ولا ظُلم عبد مظلمةً صبر عليها إلا زاده الله عزًّا، ولا فتح عبدٌ باب مسألةٍ إلا فتح الله عليه باب فقر- أو كلمة نحوها- وأُحدِّثكم حديثًا فاحفظوه" قال: "إنما الدنيا لأربعة نفر: عبدٍ رزقه الله مالاً وعلمًا فهو يتقي فيه ربَّه ويصل فيه رحمه ويعلم لله فيه حقًّا، فهذا بأفضل المنازل، وعبدٍ رزقه الله علمًا ولم يرزقه مالاً فهو صادق النية يقول: لو أن لي مالاً لعملتُ بعمل فلان، فهو بنيته، فأجرهما سواء، وعبدٍ رزقه الله مالاً ولم يرزقه علمًا فهو يخبط في ماله بغير علم؛ لا يتقي فيه ربه ولا يصل فيه رحمه ولا يعلم لله فيه حقًّا، فهذا بأخبث المنازل، وعبدٍ لم يرزقه الله مالاً ولا علمًا فهو يقول: لو أن لي مالاً لعملتُ فيه بعمل فلان، فهو بنيته، فوزرهما سواء" (أخرجه الترمذي (2325)، وقال: حسن صحيح).

إن السؤال الذي يطرح نفسه في هذا المقام هو: "لماذا أتمنَّى؟"، وجواب ذلك يكمن في مسائل عدة، لعل من أهمها أمران:

أما الأمر الأول فهو أن الإنسان في تطلُّعٍ دائم إلى ما هو أفضل وأحسن؛ ولذا يقول الرسول- صلى الله عليه وسلم-: "يهرم ابن آدم ويشبُّ معه اثنان: الحرص على المال، والحرص على العمر"، ويقول إسحاق بن خليل: "لولا مواعيد آمالٍ أعيش بها لَمِتُّ يا أهل هذا الحي من زمنِ".

وأما الأمر الثاني فهو أن التمنِّيَ يُظهر ما في النفس من علوٍّ أو هبوطٍ، ومن صلاحٍ أو فسادٍ، فقل لي ما تتمنَّى أقل لك من أنت؛ فالقلوب الطاهرة والنفوس العالية تتمنَّى الخير للناس جميعًا، فهذا عبد الله بن عباس- رضي الله عنهما- يقول: "إن فيَّ ثلاث خصال: إني لآتي على الآية من كتاب الله فلوددت أن جميع الناس يعلمون ما أعلم، وإني لأسمع بالحاكم من حكام المسلمين يعدل في حكمه فأفرح ولعلِّي لا أقاضي إليه أبدًا، وإني لأسمع الغيث قد أصاب البلد من بلاد المسلمين فأفرح وما لي به سائمة".

ومن الأهمية هنا أن ندرك كذلك أن الأمنيات والأحلام ليستا نهايةَ المطاف، بل هما بداية الطريق؛ ولذا ينبغي أن يتبعهما عملٌ وجِدٌّ واجتهاد، وإلاّ فستصبح هذه الأمنيات وتلك الأحلام مخدِّرًا لا خيرَ فيها.

ولذا يقول علي بن أبي طالب- رضي الله عنه- لابنه الحسين: "إياك والاتكال على المُنى؛ فإنها بضائع الموتى"، ويقول فرانسيس بيكون: "الأمل إفطار جيد، لكنه عشاء سيئ"، ويقول المثل التركي: "من يتكل على الأمل يمت جوعًا".

ليست هناك تعليقات: